الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
70
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا إشارة إلى أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يقوم بهذا العمل من عند نفسه ، وإنما هو مأمور من قبل الله تعالى . وإذا كانت الآية السابقة قد ركزت على الإنذار فقط ، فلأن الحديث كان حول الجاهلين المعاندين الذين هم كالأموات المقبورين الذين لا يتقبلون أي حديث ، أما هذه الآية فإنها توضح بشكل كامل ، وظيفة الأنبياء الثنائية الهدف " البشارة " و " الإنذار " ، مؤكدة في آخرها من جديد على " الإنذار " لأن الإنذار هو القسم الأساس من دعوة الأنبياء في قبال المشركين والظلمة . " خلا " : من ( الخلاء ) وهو المكان الذي لا ساتر فيه من بناء ومساكن وغيرهما ، والخلو يستعمل في الزمان والمكان ، ولأن الزمان في مرور ، قيل عن الأزمنة الماضية " الأزمنة الخالية " لأنه لا أثر منها ، وقد خلت الدنيا منها . وعليه فإن جملة وإن من أمة إلا خلا فيها نذير بمعنى أن كل أمة من الأمم السالفة كان لها نذير . والجدير بالملاحظة ، طبقا للآية أعلاه ، أن كل الأمم كان فيها نذير إلهي ، أي كان فيها نبي ، مع أن البعض تلقى ذلك بمعنى أوسع ، بحيث يشمل العلماء والحكماء الذين ينذرون الناس أيضا ، ولكن هذا المعنى خلاف ظاهر الآية . على كل حال ، فليس معنى هذا الكلام أن يبعث في كل مدينة أو منطقة رسول ، بل يكفي أن تبلغ دعوة الرسل وكلامهم أسماع المجتمعات المختلفة ، إذ أن القرآن يقول : خلا فيها نذير ولم يقل " خلا منها نذير " . وعليه فلا منافاة بين هذه الآية التي تقصد وصول دعوة الأنبياء إلى الأمم ، مع الآية ( 44 ) من سورة سبأ والتي تقول : وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير والتي يقصد منها كون المنذر منهم . ويضيف تعالى في الآية التالية : وإن يكذبوك فلا عجب من ذلك ، ولا تحزن بسبب ذلك ، لأنه فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات